الحقيقة كما هي .. لا كما يراها الأخرون

معوقات تقييم الأثر البيئي للمشروعات

3

»» بقلم ✍ د.حاتم عبدالمنعم احمد

(أستاذ علم الاجتماع البيئي جامعة عين شمس)

عملية تقييم الأثر البيئي للمشروعات تواجه العديد من المعوقات وخاصة في الدول النامية وهناك العديد من المعوقات يمكن تلخيص أهمها في الأسباب الآتية : _ (ضعف الوعى البيئي بوجه عام) .. إن عدم الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي بوجه عام يؤدى إلى ضعف الوعى البيئي بوجه عام ومن ثم يوجد قطاعات كبيرة وعلى كافة المستويات لا تعرف شيئا عن عملية تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي للمشروعات وحتى من يعرف فغالبا معرفته محدودة أو سطحية وبالطبع مناهج التعليم لها مسؤولية ودور في ذلك خاصة في المرحلة الجامعية والدراسات العليا وأيضا وسائل الاعلام المختلفة .
ولذلك فالمشكلة الأولى والاساسية هي غياب الوعى وتخلف التعليم عن مواكبة مستجدات العصر وهى أيضا البداية الحقيقية لمواجهة معظم المشكلات،حيث يقول غاندي: يحب أن ننفق على التعليم كثيرا لأننا فقراء.
– (عدم توافر الكوادر والخبراء والمراكز البحثية المتخصصة في هذه الدراسات).. وهى مرتبطة أيضا بمشاكل التعليم والبحث العلمي والموارد او الميزانية المخصصة لذلك ويكفى هنا طرح مثال ومقارنة بين الانفاق على البحث العلمي في جميع الدول العربية مقارنة بالدول الأجنبية.
– (عدم توفر البيانات والإحصاءات والقياسات الدقيقة ) إن عملية تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي تعتمد على دراسة علمية تستلزم توافر بيانات وقياسات دقيقة عن المجتمع والمشروع واعداد السكان وخصائصهم وعاداتهم وتقاليدهم وغيره من بيانات لأن هذه هي المدخلات الأساسية لعملية التقييم ،وإذا كانت صحيحة تكون المخرجات نتيجة التقييم صحيحة ،والعكس هذا بجانب تعدد الجهات المسئولة عن هذه البيانات وضعف التنسيق بينها مما يشكل في النهاية عقبة كبيرة تحول دون الوصول الى نتائج أو مخرجات واقعية.
– (التقييم بتعامل مع المستقبل وفى حاجة للتنبؤ العلمي) ..إن عملية تقييم الأثر البيئي جزء كبير منها يتعامل مع المستقبل لذلك جزء كبير منها يحتاج للتوقع او التنبؤ العلمي ،ومن ثم جزء من التقييم يتعامل مع مجهول في علم الغيب مما يعنى وجود احتمالات أو نسب للخطأ، وخاصة في ظل المعوقات السابقة مثل عدم توافر خبراء أو بيانات متكاملة، ومن مميزات عملية تقيم الأثر البيئي أنها تتعامل مع المستقبل وتساعد في توقع المشكلات والمعوقات والاستعداد لها والدراسة المستمرة والمتابعة وتعطى الفرصة لتوقع المصاعب والاستعداد لها او التخفيف منها ،أو تفاديها.

– (ارتفاع تكاليف المشروعات ورفع الأسعار).. إن عملية تقييم الأثر البيئي عادة تحتاج لفريق عمل يضم معظم التخصصات وبعض الوقت وزيارات وقياسات ميدانية مما يعنى لتمويل إضافي وكثير ما ينتج عنها بعض التعديلات او الإضافات للمشروعات للتخفيف من الاثار السلبية مما يعنى في النهاية زيادة اقتصادية في تكلفة المشروعات مما ينعكس على رفع سعر المنتج او الخدمة اقتصاديا وهذه حقيقة ولكن في مقابل منتج اقل تلوثا او اقل ضررا مما يعنى في النهاية مردود صحى وبيئي واجتماعي أكبر وأهم من الخسارة الاقتصادية المحدودة ،ولذلك يعارض بعض رجال الاعمال عملية التقييم البيئي ،حيث ترفع التكلفة الاقتصادية نسبيا وهذا طبيعي لان لكل شيء ثمن والصحة لا تقدر بثمن .
– (ضعف المشاركة الشعبية وعدم الاهتمام بالتقييم الاجتماعي )،.. وهى أهم عنصر لنجاح التقييم ، ومن الضروري مشاركة فعالة لجماعات تمثل المتضررين والمستفيدين من المشروع لضمان قبول المجتمع بعد ذلك للمشروع ونجاحه لأن المشاركة المجتمعية وإبداء الرأي ركيزة للتقييم الاجتماعي والبيئي معا حيث يمكن تلخيص ذلك في القول ليس هناك مشروع ناجح بدون تقييم أثر بيئي ناجح ،وليس هناك تقييم بيئي ناجح بدون تقييم اجتماعي ناجح، وليس هناك تقييم اجتماعي ناجح بدون مشاركة اجتماعية ومجتمعية فعالة..
هذه باختصار أهم معوقات عملية تقييم الأثر البيئي لذلك يغيب التقييم الاجتماعي والبيئي الحقيقي، في معظم الدول النامية لانتشار كثير من المعوقات السابقة رغم ان القوانيين تنص على ضرورته لكن المعوقات القائمة تحول دون تحقيقه بفاعلية ،ولذلك ادعو مراكز البحوث والجامعات لعمل مؤتمر عام لمناقشة هذه المعوقات وسبل التعامل معها ولمصر الريادة العربية في انشاء كلية الدراسات والبحوث البيئة مبكرا ،وهي تضم معظم التخصصات العلمية وسبعة اقسام يلتحق بها خريجو معظم الكليات للحصول على شهادة الماجستير والدكتوراة من المنظور البيئي الشامل.
واعتقد ان هذه الكلية بالتنسيق مع وزارة البيئة وبعض المراكز البحثية يجب أن تكون هي الجهة الأساسية وقد تكون الوحيدة القادرة على القيام بعملية تقييم الأثر البيئي الشاملة لأن ترك عملية التقييم للجهات غير رسمية كلها تقريبا لا تملك خبراء متخصصين في مختلف ابعاد العلوم البيئية ،والمكان الوحيد القادر على ذلك بجدية هي كلية البيئة بالتعاون مع الوزارة ..والله ولى التوفيق.

ظهرت المقالة معوقات تقييم الأثر البيئي للمشروعات أولاً على جريدة المساء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق