الحقيقة كما هي .. لا كما يراها الأخرون

الروائي الكبير محمد جبريل يكتب: نتنياهو.. وحضارة التدمير!

0

 

 

 

في  مكتبتي مجلد سنة 1910 من مجلة” رعمسيس”، لا أعرف مصدر تمويلها، وإن كتب في الترويسة اسم توفيق كيرلس كرئيس للتحرير. من موضوعات المجلة ما يشير إلى أن بني إسرائيل هم أصح أمم الشرق نسبًا – هذا هو نص التعبير – وأنهم سيعودون إلى المنطقة العربية لينشروا الحضارة والمدنية والتقدم وغيرها  من الشعارات التي روج لها الكيان الصهيوني – فيما بعد – سواء على ألسنة قادته، أو عبر وسائل الإعلام الغربية، أضاف المقال تأكيدًا بأن “العودة” المرتقبة ستتيح للإسرائيليين قيادة المنطقة، والسيطرة عليها، بينما يتحول المواطنون الأصليون – العرب – إلى أجراء!

كلام يبدو غريبًا، وصادمًا، لكنني أتحدث عن مقال في مجلة مصرية، وثيقة، فوتتها – للأسف – عين التسامح التي أسهمت في غياب التنبه للخطر، إلى حد قول زعيم الوفد مصطفي النحاس – تعليقًا على تحذيرات بعض القيادات السياسية المصرية – أنه يزور القدس كل سنة، تصحبه زوجته السيدة زينب الوكيل، ينزلان في فندق الملك داود، ولا يلحظان ما يثير الريبة!

ذلك الزعم هو المدخل للوجود الاحتلالي ليس منذ وعد بلفور في 1917، ولا تحت الدعاوى التي لا شأن للوطن العربي بها، من إبادة النازية لملايين اليهود بالمحارق وأفران الغاز، (أثبتت الحقائق التاريخية أن أعداد مواطني أوروبا الشرقية الذين تعرضوا للإبادة النازية في سنوات الحرب العالمية الثانية، يفوق ما روجت له الصهيونية عن الضحايا من اليهود!) وإنما حتى من قبل ذلك المقال الغريب الذي فوتته – كما ترى – عين التسامح المصرية، وكان المقابل سلبيًا.

قرأت في كتابات مؤرخة عربية وعالمية عن الدفعات الأولي من الوافدين اليهود إلى فلسطين. ألقت بهم السفن على شواطئ فلسطين في حيفا ويافا وغيرها من مدن الساحل الفلسطينية. أسرع الفلسطينيون إلى إنقاذهم من الغرق، ودبروا لهم المأوى والطعام والملابس، وأتاحوا لهم استضافات، تحولت – وفق مخطط قدموا لتنفيذه – إلى إقامة، فحروب إرهابية، فإعلان دولة، لا تنشد الاستقرار في مساحة من الأرض، بل تحاول إملاء دعاوى أسطورية  تزعم حقّا إلهيًا، أو تاريخيًا، لليهود فى فلسطين، مقابلًا لحق الشعب العربى الفلسطيني في الأرض التي يحيا فوقها منذ مئات السنين.

في تقرير سري ، كتبه كامبل بيترمان رئيس وزراء بريطانيا عام 1902، يقول:” إن هناك قومًا يسيطرون على أرض واسعة تزخر بالخيرات الظاهرة والمغمورة ، وتسيطر على ملتقى طرق العالم. وهي وطن الحضارات الإنسانية والأديان، ويجمع هؤلاء القوم ديانة واحدة ولغة وتاريخ واحد وآمال واحدة، وليس هناك أي حاجز طبيعى يعزل القوم عن الاتصال ببعضهم البعض. ولو حدث واتحدت هذه الأمة في دولة واحدة ، في يوم من الأيام، لتحكمت في مصير العالم، ولعزلت أوروبا عنه، ولذلك يجب زرع جسم غريب في قلب هذه الأمة، يكون عازلًا من التقاء جناحيها، ويشتت قواها في حروب مستمرة، ورأس جسر ينفذ إليه الغرب لتحقيق مطامعه” ( الأهرام 24/5/1976).

بتعبير محدد، فإن السلام الإسرائيلى يعنى استسلام العرب. السياسة الصهيونية – في رأى ماكسيم رودنسون – ترتكز على مبدأ الاستبدال القسري للسكان بغيرهم . وعلى سبيل المثال، فقد عمل اليهود على إلغاء قرار التقسيم عمليًا بواسطة العمليات الإرهابية، ومداهمة القرى والمدن الفلسطينية، وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتشريدهم، والاستيلاء على أراض ليست تابعة لإسرائيل فى قرار التقسيم، وتزامنت الدعاوى الصهيونية بأن العرب هم الذين رفضوا قرار التقسيم، بشعارات عربية ساذجة تكتفى برفض التقسيم ، فلا تجاوزه إلى محاولة رد الاعتداءات القائمة فعلًا.

طبيعى أن أي كيان استيطانى يواجه بمقاومة شديدة من السكان الأصليين. إنه يريد الإحلال وليس الجيرة، طرد أبناء البلاد والعيش بدلًا منهم. ذلك ما حدث فى بلاد كثيرة على مدى التاريخ، وأقربه إلى الأذهان ما حدث فى جنوب إفريقيا وروديسيا ( موزمبيق ) وغيرها، وهذا ما يحدث الآن فى فلسطين.

إسرائيل تحتل وتعتقل وتشرد وتصادر وتتوسع وتدمر وتنفي، ثم تطالب بنسيان الماضى. وتتجدد الأفعال، وتتكرر المطالبة بنسيان الماضى.

إن توزع أكثر من نصف الفلسطينيين فى المنفى، لا يعنى أنهم ليسوا فلسطينيين، لا يعنى عدم انتمائهم إلى مساحة الأرض المسماة ” فلسطين ” حتى لو تبدل اسمها – بفعل الاحتلال – إلى تسمية أخرى. ولعل إدراك جولدا مائير هذه الحقيقة هو الباعث لأن تستبدل بمقولتها: نحن شعب بلا أرض، قدمنا إلى أرض بلا شعب.. بدلت كلماتها إلى قول متبجح: الفلسطينيون؟ نحن الفلسطينيون!

يمتد المعنى، فيشمل كل ما يتصل بالهوية الفلسطينية: الموروث والتراث والأرض، إحداث عملية تزوير هائلة تستهدف تبديل الملامح. وكما يقول الكندى مايكل نيومان، فإن كل إسرائيلي يهودي – حتى الأطفال- هم أدوات توجه ضد الشعب الفلسطيني. ولعلي أضيف قول الفرنسى لويس فرديناند سيلين: “إن إسرائيل تعبير عن الشر الجاثم في أرجاء الكون، في عنصريتها وكراهيتها للبشر”.

شاهدت جالنت وزير الحرب الإسرائيلي وهو يحض جنوده على قتل الفلسطينيين باعتبارهم وحوشًا في هيئة بشر، وقتل مواطنين فلسطينيين في قلب المستشفيات بفعل جماعات مسلحة متنكرة في أزياء المرضى والزوار وهيئة التمريض، وإجبار عشرات الألوف من المواطنين على ترك بيوتهم ومدنهم وقراهم في الشمال، بوعد الأمن في الجنوب، ويعبر الشيوخ والنسوة والأطفال مسافات هائلة، في طريق لم تعد صالحة للسير، فتصرعهم رصاصات القناصة وقذائف الطائرات المسيرة العشوائية التوجيه ( تباهي الجندي الإسرائيلي بقتل فتاة فلسطينية في الثانية عشرة من عمرها، وتمنى أن يستطيع قتل أطفال فلسطينيين – والتعبير له – في عمر أقل! )، وتابعت اقتراحات الوزراء الصهاينة بدءًا بإلقاء قنبلة نووية على غزة، مرورًا بانهيار مساكن الفلسطينيين فوق رؤوسهم، وأنها آخر ما تسعد العينان الساديتان بمشاهدته، قبل أن تستغرقا في النوم، وانتهاء – وليس نهاية، فالمجازر مستمرة! – بتهجير أهل غزة إلى جزيرة صناعية في البحر!

قادة إسرائيل يتحدثون عن السابع من أكتوبر باعتباره حدثًا في ذاته، لا صلة له بما قبل ولا بعد. الحقيقة أن ما حدث صبيحة ذلك اليوم وليد ممارسات قاسية ولا إنسانية عانى تأثيراتها المدمرة فلسطينيو غزة بواسطة حصار محكم يمنع دخول أبسط الاحتياجات الضرورية، وتغافل معلن لتحذيرات المقاومة من  خطورة استمرار الوضع على ما كان عليه، بالإضافة إلى استباحة الأقصى من خلال أفواج المستوطنين، وتعدد عمليات الاغتيال والمصادرة في الضفة الغربية، والتي زودها وزير الأمن القومي بالسلاح!

رفض متبجح لأبسط القواعد الإنسانية، لا فارق بين منطقة وأخرى في كل مساحة الشريط الساحلي، فالغارات المتواصلة تقتل البشر، وتدمر البنايات السكنية والزراعات والمساجد والكنائس، تستهدف المحو، فتنفذ الأمنية القديمة لإسحق رابين أن يصحو يومًا ليجد غزة قد أغرقت في البحر!

اللافت أن ذلك كله حدث، ويحدث، في مهلة الشهر التي حددتها محكمة العدل الدولية، لتدرس بعدها تقريرًا عن ممارسات الإبادة الجماعية.

إن عمليات القتل العشوائى والمذابح المتوالية وغير المبررة التى تنفذها القوات الإسرائيلية، لا تستهدف مجرد التأديب والتخويف والإرهاب – وكلها أهداف مرفوضة! – لكنها تستهدف – فى الدرجة الأولى – تقليص الشعب الفلسطينى فى الأراضى المحتلة، إرهاصًا بإزالته. وهو ما يتمثل فى العديد من القوانين والإجراءات التى اخترعها الكيان الصهيونى، مثل تحويل عرب القدس من مواطنين إلى مقيمين، وتكبيلهم بقيود تصل إلى حد منعهم من العودة إلى بيوتهم، وإزالة البيارات والمناطق السكنية بدعوى منع الإرهاب الفلسطيني.

مسلسل القتل اليومى لأبناء الشعب الفلسطينى جزء من مخطط إسرائيلي لوسم كل فلسطين بالعنصرية الصهيونية، بل إن الكيان الصهيونى جاوز محاولات سرقة الأرض، والتراث، والموروث، إلى الإقدام على تدمير هذا التراث، وعلى حد تعبير إدوار سعيد: ” لقد تم اقتلاع مجتمع يتكون أساسًا من العرب الفلسطينيين من جذوره، وتم تدميره”. ولأن الفلسطينى لا يعرف له وطنًا إلا فلسطين. فإن من حقه أن يلجأ إلى كل الوسائل لمنع اندثاره من فوق أرضه.

النظرة المتأملة تبين عن تناقضات كثيرة فى العملية السلمية بين العرب وإسرائيل، أولاها أن أصحاب الأرض يظلون في المنافي، أو يعودون وفق شروط أقرب إلى المستحيل [ عودة المهجرين أخطر العقبات فى جدول المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية ! ] بينما كل الأبواب تفتح أمام المستوطنين. أنت يهودي، فمن حقك أن تحيا فى إسرائيل. لا شأن لذلك بالوطن الذي أتيت منه، روسيا أو أوكرانيا أو بولندة أو الولايات المتحدة أو غيرها من بلدان العالم!

في حديث إلى أصدقائه الزعماء الأوروبيين أعلن نتنياهو امتنانه لمبادراتهم بمنع الدعم عن الأونروا، المؤسسة التي أنشأتها الأمم المتحدة لإنقاذ الشعب الفلسطيني منذ بداية الاحتلال الصهيوني لبلاده. ووصف ذلك بأنه تعبير عن القاسم الحضاري المشترك بين بلادهم والكيان المحتل.

كلمات نتنياهو هي التوصيف الحقيقي لحضارة التدمير والإفناء التي قدم طريدو العالم لفرضها على شعب له حضارته، وأهمها الرسالات السماوية، عبر آلاف السنين.

 

 

 

ظهرت المقالة الروائي الكبير محمد جبريل يكتب: نتنياهو.. وحضارة التدمير! أولاً على جريدة المساء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق