الحقيقة كما هي .. لا كما يراها الأخرون

التربية السياسية وتعضيد المسئولية الوطنية

0

بقلم ✍أ.د عصام محمد عبدالقادر

(أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة بجامعة الأزهر)

إن المواطن الذي تتنامى لديه الرغبة تجاه المشاركة السياسية، إنما يمتلك وعيا إيجابيا مكتسبًا من تربية مقصودة على المستويين الرسمي وغير الرسمي؛ حيث عززت قيم الانتماء والولاء والمسئولية الوطنية في وجدانه، وبدون شك فقد ارتبط ذلك بمعرفته الصحيحة بما له من حقوق وما عليه من واجبات، وهذا في مجمله يؤدي حتمًا للمواطنة الصالحة؛ لفرد يسعى بكل طاقته لأن يشارك بفعالية في تحقيق غايات الدولة العليا.

وبمعايشة النظام السياسي المصري نجد أنه يستخدم كافة الاستراتيجيات والطرائق والأساليب وفق منهجية واضحة الإجراءات للعمل على مخطط مقصود يُساعد في ترسيخ القيم المجتمعية الأصلية المنسدلة من الثقافة المصرية وعقيدتها السمحة، والتي تستهدف في مجملها إعمار البلاد من خلال تنمية شاملة مستدامة في مجالات الحياة المختلفة، في إطار حاكم وملزم يحفظ على أمن المجتمع وأمانه، متمثلًا في الدستور الذي تم التوافق عليه بصورة جامعة.
ومرمى التربية السياسية الرئيس يُمكن الفرد من استيعاب الفلسفة المجتمعية التي ترسم محددات المواطن الصالح، الذي يستطيع أن يستكمل مراحل النهضة والبناء ويرقى بمقدرات مجتمعه ويزود عنه، ومن ثم يمر بمراحل تؤصل لديه أهمية الالتزام بالنسق القيمي الذي أقره مجتمعه، وضرورة التوافق مع الرؤى المجتمعية الوطنية التي تقوم على مبادئ راسخة تستند على قيم الولاء والانتماء والإخلاص للوطن، وتحمل المسئولية الوطنية بقناعة تامة.

وفي هذا الصدد يتوجب أن ننتبه لأمر مهم يتمثل في اهتمامنا المباشر تجاه أبعاد المسئولية الوطنية؛ حيث ضرورة تقديم البُنى المعرفية الصحيحة الموثوقة المصدر والتي تعزز الجانب الفكري لدى الفرد، ومن ثم يستطيع أن يمارس أنماط التفكير المختلفة بشكل سليم؛ فيصبح ناقدًا بناءًا ومحللًا عميقًا ومبتكرا إيجابيا، يوظف المنهج العلمي وخطواته في حل قضايا ومشكلات مجتمعه، ولا يخضع بحال لتأثيرات وأفكار ورؤى مغرضة تستهدف النيل من وطنه ومقدراته، وينبغي أن نهتم بالجانب الاجتماعي كي يستطيع الفرد أن يتكيف مع مجتمعه ويحاول جاهدا تقديم مشاركاته الإيجابية التي تسهم في تحسين البيئة المجتمعية.

ومن أبعاد المسئولية الوطنية التي تؤخذ في الاعتبار غرس ثقافة الولاء والانتماء لينمو لديه الحس الوطني النقي الذي يوجه الفرد لأن يقدم التضحيات دون انتظار لمقابل، ويعضد ذلك أيضًا البُعد العقائدي الذي يصقل الجانب الوجداني فيما يرتبط بماهية الحب والتسامح والعدل والمساواة والحرية المسئولة والديمقراطية الصحيحة القائمة على تحقيق مصلحة الدولة دون غيرها، وهذا لا ينفك بالضرورة عن تعلقه بمعالم الوطن الكبير، ومن ثم ارتباطه بالإطار المكاني الذي يقطنه.
والتربية على المسئولية الوطنية تؤكد على أهمية التسامح والتعامل مع الآخر في إطار واضح تحكمه القيم المجتمعية النبيلة وتؤكده الطبيعة الإنسانية، كما أن للوعي السياسي أهمية في تنمية مقدرة الفرد على فهم الثقافات المختلفة واستيعابها، ومقدرته على إدراك الأحداث الجارية وتقديره للأمور بصورة تقوم على الحس النقدي لديه.
ومن الأهمية إدراك أن التربية على المسئولية الوطنية تحث الفرد على المشاركة السياسية وفق مجريات الأحداث التي تمر بها البلاد وفي ضوء منابرها الشرعية وما تدعو إليه الاستحقاقات الدستورية، وهذا يرتبط باتجاه الفرد الإيجابي نحو المشاركة في صنع واتخاذ القرار، وحب العمل الجماعي لتحقيق غايات نبيلة، والتمكن من اكتساب لغة الحوار البناء والهادف والذي يقوم على آداب وأسس في مقدمتها الاحترام والتقدير والاستعانة بمصادر المعلومات الموثوقة والرسمية، كما أن هناك مهارات نوعية يتوجب على الفرد الإلمام بها في إطار الشعور بالمسئولية الوطنية منها مقدرته على توظيف مهارات التفكير العليا في حل قضايا الوطن، ورغبته في التواصل الفعال مع الآخرين.

إن ما تستهدفه التربية السياسية من تعزيز مقصود للمسئولية الوطنية يؤدي إلى خلق مناخ مجتمعي فعال تسوده المحبة والرضا والقبول لما تقوم به الدولة وقيادتها من أجل تلبية احتياجات وتطلعات المجتمع، في إطار من الشراكة والإيجابية التي تترجمها إرادة التعاون القائمة بين الشعب والسلطة الحاكمة كي تستقيم الأمور وتتحسن الأحوال وفق مسئوليات يتحملها الجميع دون استثناء؛ لتحقق الأوطان نهضتها واستدامة تنمية مواردها المادية والبشرية على السواء.
ولا خلاف حول الأمر الجامع من المسئولية الوطنية؛ حيث ضمانة استقرار الدولة وحماية مقدراتها وأمنها القومي من خلال شعب يتحلى بهذه المسئولية مع مزيد من الإيجابية، ويسعى دون كلل أو ملل نحو تحقيق غاياته المشروعة في إطار دستوره الضامن لحريته المسئولة والمعزز لبقاء الدولة ونهضتها وازدهارها بين مصاف دول العالم المتقدم.
حفظ الله وطننا الغالي وقيادته السياسية الرشيدة أبدَ الدهر.

ظهرت المقالة التربية السياسية وتعضيد المسئولية الوطنية أولاً على جريدة المساء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق