الحقيقة كما هي .. لا كما يراها الأخرون

“أيكتي”.. إطلالة بديعة للأديبة الروائية فاطمة مندي

0

»»

ويظل معين إبداع أدباء أرض الكنانة عذبا متدفقا ثريا ،ويقطف من بساتين حروفهم كل الثمار الناضجة ، وغيضا من فيض الحكمة والقيمة والأمل..
وضيفتنا في هذه السطور الكاتبة الروائية الأديبة فاطمه مندي ،حيث أهدتنا نصها البارع “أيكتي” في ثياب القصة القصيرة.

يذكر أن الأديبة فاطمة مندي هي عضو مجلس ادارة نادي أدب المحلة ،ولها ثلاث اصدارات أدبية..مجموعتان قصصيتان ،ورواية بعنوان ” اللبن المسكوب”،ونشرت أعمالها بعدد من الصحف المصرية والعربية.

🍂

أيكتي..!

عندما بلغت العاشرة مات أبي، وبعد عدة سنوات ماتت أمي، وبعد عدة أشهر ماتت جدتي.
كان لزاماً عليَّ أن أقيم في منزل عمي، هيهات علي هذا القدر !
سأذهب إلي المنزل الذي كنت لا أحب حتى المرور من أمامه؛
ذهبت آسفة الي آخر مكان كنت أتمناه.

التقتني زوجة عمي علي باب المنزل، بكومة من الغسيل بنبرة غاضبة: خذي هذا وأريده شمع مثل ضوء الشمس..


عشت مقهورة مثل عمي مع زوجة في بيت مفخخ بالكره، تزرعه لنا في كل وقت، كنت اتخطى كل شيء من أجل دراستي ؛ التي أظهرت فيها تفوقا ملحوظا ، في حين أن بنات عمي يعانون تعثرا دراسيا.
وعندما شببت عن الطوق، كان يتوافد علي منزلنا مختلف العرسان لي، ذو مراتب مختلفة، رفضتهم جميعا زوجة عمي، كانت تريد زوجا سيئا تعاقبني به، بداخلها كل هذا الحقد لي ولأمي الراحلة؛ ولا أعلم لماذا؟
ذات يوم،
أتي لزيارتنا أحد أقاربها كي يراها قبل سفره خارج البلاد،
عندما رأني طلب يدي،
وافقت على الفور من هذا الأمي الجاهل الذي يقطن بلدا بعيدة يستغرق السفر إليها عدة ساعات.
قالت لنا بصوت جهوري أجش: هنكتب أخر الشهر، ودا قرار وليس أختيار.
بلع عمي حنقه ولكنه اشترط لأتمام العقد أن يشتري لي شقة بأسمي هنا.
أُجبرت علي معاشرة هذا الأمي الذي لا يجيد حتى الكلام، معظم كلامة فظ وألفاظه نابية، رضيت بما قسمه الله لي.
عشت معه بما يرضي الله، صابرة محتسبة، كنت أهيء نفسي على الإنكسار شهر في العام هو شهر أجازته.
أنجبت طفلين، اكرمني الله بتفوقهم، بذلت من أجلهم كل غال ونفيس.
وفي كل أجازة لزوجي كان يريد أن ينقلنا للعيش مع أهله، وكنت ارفض طلبة.
وفي كل مرة يرسل لنا استقدام شهر أجازة الأولاد، وكنت ارفض.
وتحت ضغط الأولاد وافقت علي عمل هذه الزيارة، الي مقر عمله في إحدى الدول العربية.
قضينا عدة أيام، ولكن تركنا زوجي وسافر الي القاهرة لإستكمال بعض أوراق له.
بعد عدة أيام أتى محدثا
– لقد نقلت متاعك كله إلي بلدتنا كي تذهبي إلي هناك أنت وأولادك؛ للعيش مع عائلتي،
أو تنزلي إلي شقتك وتفترشين الأرض، الأختيار لك..
لم أصدق ما سمعت منه،
نظرت له ودموعي تسبقني ..هل أخذت متاعي كله.
نظر لي وهو متفاخراً، متشفياً مبتسماً : نعم نقلته إلي بلدتنا.
استرسلت دموعي رغماً عني، ووقفت الكلمات متحشرجة في حلقي.
قال في تحد صارخ: لو بكيتي دماء لن أعدل عن قراري.
استعدت اتزاني محدثة إياه ..
-وأنا لا أريدك أن تعدل عن قرارك، أنت من وضع نقطة النهاية وأنزل الستارة، لقد عاملتك بطيبة قلبي، ولم أخنك، لم أتهاون أو أقصر في حقك،او في حق ذويك، وأنت لم تتق الله في تعاملك معي، هل تعلم لقد صنعت لي معروفا كبيرا، وفرت لي أجرة نقل هذا المتاع البالي، لأني أبتعت متاعا جديدا منذ زمن قريب؛ كي يليق بي وبأبنائي دكاترة المستقبل.
هل تعلم سأتحدث لك بلغتي التي أتقنها وأتخلى عنها أثناء تواجدك بيننا
– مازلتُ أُتقن فن الرقص فوقَ الورق وأُجيد نقش المفردات ونزف المشاعر من فوهة قلمي،
ومازلت ألتصق بحزني في باطن محابري، ومازلت احتفظ بدمعي داخل محاجري
والتعرج في آفاق شاحبة.
لقد اعتاد حرفي على إقتحام علامات الاستفهام والتعجب ؟!
شهقات الوجع
كانت قيود وسلاسل من نار مستعرة،
حول خاصرة الوقت وفم المكان تدمرني في أثناء تواجدك بيننا، وهو أثناء تدن لغتي الي مستواك اللغوي، ودائما أحدث نفسي
-لا لن انحني لك أيها الألم،
سأصرخ حتى تنبثق براعم قد التوت في قلبي،
سأبحر بشراعي الى ذاك الوادي وتلك التلال البعيدة؛
كي اقطف أزهاري.
وحان وقت حصادها .


أنني لم اخبرك لقد أكملت مراحل تعليمي، وتقلدت أرفع المناصب، وابقيت عليك بجواري، ولم أغدر بك ، أنا الدكتورة محاضرة الجامعة، لم أحسسك بجهلك طوال سنواتك معي، ولم ألفظك وهذا حقي، لم اتحدث معك بلهجتي، بل كنت اتدني بلغتي إلي مستوى فهمك.
الآن وقد أخذت أيكتي وغدرت بي فلن ترى أيكتي أبداً..
🍂

ظهرت المقالة “أيكتي”.. إطلالة بديعة للأديبة الروائية فاطمة مندي أولاً على جريدة المساء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق